أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
576
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
فلهذا تعجب الشيخ رحمه اللّه من تضاد الطالبين لأنه خارج عن مقدور البشر ، ولكن لما كان الإنسان نسخة الوجود ، وأشرف كل موجود ، أودع فيه من أسرار حكمته ما يؤلف بين الضدين ، ويجمع بين الكفؤين قال تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [ الرحمن : 19 ، 20 ] . فمن ظهر أثر البرزخية على جوارحه عمل أعمال الدنيا وأعمال الآخرة ، ومن ظهر أثر البرزخية على قلبه جمع بين آمال الآخرة ومشاهدة الحضرة ، وأشرق نورها عليه ، ومن ظهر أثر البرزخية على روحه جمع بين المشاهدة والمحبة ، ثم قال : واعلم أن الأجسام تموت وتبعث وتنشر ، وكذلك النفوس والأرواح ، فأما موت الأجسام فهو عند الخروج من الدنيا وتبدل القصور بالقبور ، وأما موت النفوس فهي عند الخروج من الحظوظ وتبدلها بالحقوق ، وأما موت الأرواح فهو رجوعها لعالمها النوراني ، صفحة الملأ الأعلى على الهاجس النفساني ، فإذا لم يبق للنفس نظر إلا للّه ، ولا للروح تعلق إلا باللّه ، وفني من لم يكن ، وبقي من لم يزل انجمع الظاهر بالباطن ، والباطن بالظاهر ، وتعينت المشاهدة من كل وجهة ، وخوطب من سوى الحق بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ وحينئذ يهتف هاتف التجريد من مقام التفريد لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فلم يجبه من عوالم البشرية والصور الأثرية مجيب ، فيجيب نفسه بنفسه اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ انتهى . والمراد منه مختصرا : وإنما أمر اللّه تعالى بالطاعة والعزم عليها لأنها سبب الوصول إليه حسبما جعلها الحق تعالى حكمة وشريعة ، كما بين ذلك في المناجاة السابعة عشرة بقوله : 360 - إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار ، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك . قلت : التردد في الآثار هو التردد بين إثباته ونفيه وهي حالة المستشرفين ، فإذا